إن المتتبع لنشأة المعجم العربي وتاريخه ، والمحلل لمواد هذا المعجم لا يعدم الوقوف على ملامح عديدة للنظرية الأسلوبية في هذه المعاجم ، ولم تنزو هذه الملامح المبكرة للنظرية الأسلوبية في زاوية واحدة من زوايا ذلك التراث المعجمي الهائل والضخم ؛ وإنما تبدت في زوايا مختلفة منه ، وظهرت في أوجه متعددة ، فتارة تتجلى هذه الملامح الأسلوبية في الأهداف التي يضع مؤلف المعجم من أجلها فالمعجمي يضعه هذه الأهداف نصب عينه دائمًا هذه الأهداف ليقيم معجمه في ضوئها ، وتارة أخرى تبدو في أبواب المعجم والطريقة التي اعتمدها المؤلف ، وتارة ثالثة تبدو في إشارات لفظية تتخلل المعجم : من مثل الإشارة إلى ان هذا كثير في كلام العرب ، وهذا ليس في كلام العرب ، وهذا مشهور عندهم ، وهذا سائر على سننهم … وغير ذلك من العبارات التي تدل على وعي أصحاب المعاجم العربية القديمة بالأسلوبية الحديثة ومراعاتهم لها في أثناء تأليفهم وفي ثنايا تأليفهم ، وهذا وما أود التنبيه عليه والإشارة إليه أن النظرية الأسلوبية ذات الإطار المعرفي التي نتوكأ عليها لمعالجة نصٍ أدبيّ أو مقاربة أعني النظرية الأسلوبية الحديثة التي نسقطها على واقعنا الماضي وتراثنا الغابر ليست هي في القديم .
وأعنى هنا أنها ليست هي النظرية بمفهوم النظرية وما تعنيه من دلالات اكتمالية ونضجية وأخر معرفية وضوابط علمية ومفاهيم واضحة وراسخة ، وإنما الذي أطغياه في هذه السياحة في تراثنا العربي عامة وفي هذا الفصل خاصة هو ( البواكير ) الدالة على وعي قدمائنا بهذه النظرية وفطنتهم إلى آلياتهم وبعض قوانينها واستخدامها في معالجة قضاياهم اللغوية بشتى مشاربها ، وهذا وحده يكفي للدلالة والتأكيد على هذا الوعي .
ونحن إذ يعالج هنا بواكير الدرس الأسلوبي في المعاجم العربية نعرج على كل تلك الزوايا التي ظهرت من خلالها تلك الملامح وتبدت في ذلك التراث المعجمي الكبير ويتمثل ذلك فيما يلي :-
أولاً : بواكير الدرس الأسلوبي في دواعي التأليف المعجمي
وقيام هدف صناعة المعجم عليها
يقرر الدارسون للمعاجم العربية بعامة ، والمتتبعون لنشأة المعجم العربي وتاريخه بخاصة أن أول معجم عربي شامل وصل إلينا وألف في العربية هو معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت هـ) رائد الدراسات اللغوية العربية ؛ يقول صاحب كتاب المعجم اللغوية : « وأول من ألف معجمًا شاملاً هو الخليل بن أحمد ….. » ([1])
والناظر في فكرة تأليف الخليل لمعجم العين ، والمتتبع لمنهجه الذي أقامه عليه يجد أنه انطلق فيه منطلقًا أسلوبيًا ؛ إذ طغيا فيه حصر ألفاظ اللغة العربية ، وتناولها جميعها ، وقد انتهج في صناعة هذا المعجم ملمح الحصر والإحصاء والتقاليب وهذه عُمد من عُمد الأسلوبية المعاصرة ولم تكن المؤلفات المعجمية ، وإن شئنا الدقة قلنا التي تتصل بالصناعة المعجمية في عصر الخليل وما قبله تتحرى الحصر والشمول ، وإنما هدفت تلك المؤلفات .. وهي ما عُرفت بالرسائل اللغوية ، والمعاجم الموضوعية . إلى توضيح معاني الغريب من المفردات العربية ، والوقوف عند صعبها ، فقط ، ويبدو أن الذي دعاهم إلى الاقتصار على الغريب هو أن هذ






















